ابن عربي

123

فصوص الحكم

اختلافها ، أو أن العلوم الذوقية على الرغم من اختلاف أنواعها ترجع إلى أصل واحد لاشتراكها جميعاً في صفات وخصائص معينة . كالماء الذي هو حقيقة واحدة مع أن منه العذب الفرات والملح الأجاج . ( 5 ) « وهذه الحكمة من علم الأرْجُل » . أي هذه الحكمة الأحدية على نحو ما فسرناها في التعليقات السابقة من علم الأرجل المشار إليه في قوله تعالى : « ولَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ لأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ ومن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » ( قرآن س 5 آية 66 ) أي ولو أنهم أقاموا أحكام ما أنزل إليهم من ربهم وعملوا به وتدبروا معانيه وكشفوا حقائقه ، لفاضت عليهم العلوم الإلهية من غير كسب وعمل وهو الأكل من فوق ، ولفازوا بالعلوم الحاصلة لهم من سلوكهم في طريق الحق وتصفية بواطنهم وهو الأكل من تحت الأرجل بدليل قوله : « فإن الطريق الذي هو الصراط هو للسلوك عليه والمشي فيه » . ويشرح القاشاني ( ص 186 ) الأكل من فوق والأكل من تحت الأرجل شرحاً آخر فيفهم الأول بمعنى علم أسرار الفواعل التي هي الأسماء الإلهية ، والثاني بمعنى علم القوابل السفلية التي هي العالم وما فيه . ولو عرف الناس أسرار الوجود وأحكامه عن طريق تدبر ما انزل إليهم من ربهم لكشفت لهم الحكمة الأحدية . ( 6 ) « فما مشوا بنفوسهم وإنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب » . عين القرب هي المقام الذي يصل إليه السالك ويتحقق فيه من وحدته الذاتية مع الحق ، وهو الغاية التي يتجه إليها جميع الصوفية من القائلين بوحدة الوجود . وهم لا يسيرون في طريقهم بحكم الاختيار ، بل يساقون إليه سوقاً بحكم الجبر المسيطر على كل الوجود في مذهب ابن عربي . فالسالك الواصل إلى هذه الغاية مجبر على وصوله ، والسالك الذي حرم الوصول إليها مجبر على الحرمان . وإلى الصنفين أشار بأهل الجنة وأهل جهنم : إذ الأولون حاصلون في عين